نخبة من الأكاديميين

139

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الإسلامي عن التأثير المتبادل بين الطرفين ودوره في ميلاد حضارة مشتركة بينهما . 2 - ميلاد حضارة إسلامية مسيحية مشتركة على أرض الغرب الإسلامي : من المؤكد أن البعثات التبشيرية النصرانية لم تستطع أن تؤثر في المجتمع المغربي سوى بشكل محدود جدا نتيجة عوامل سياسية « 1 » . ومن المحقق أن المغاربة لم يستسلموا لتبشير الإيطاليين أو الفرنسيين ، وظلوا صامدين أمام « تسرب الإنجيل » على حد تعبير أحد الدارسين « 2 » . وفي الوقت ذاته ، لم ينجم عن هذا اللقاء بين الإسلام والمسيحية في بلاد المغرب نهاية حتمية للمسيحية كما زعم ذلك أحد الباحثين « 3 » ، يشهد على ذلك ما سلف ذكره . فقد حافظ كل شعب على حرية المعتقد الذي يؤمن به ، وإن كان بعض الأفراد من هذا الجانب أو ذاك قد تحول من دينه الأصلي إلى الديانة الأخرى ، لكن دون إكراه أو تعنت . وإذا كانت الواجهة التبشيرية شكّلت أهم باب موصد في وجه التأثير المسيحي ، فعلى العكس من ذلك ، حدث انصهار حضاري لا ندرك أهميته إلا بالوقوف على النصوص التاريخية التي تشير إلى ذلك . ومن مظاهر هذا الامتزاج مسألة زواج المغاربة بالمسيحيات . ويمدنا ابن أبي زرع « 4 » بخصوص هذا الموضوع بإشارات هامة رغم ندرتها ، فيذكر بأن الخليفة الموحدي عبد الله العادل كانت أمه نصرانية من مدينة شنترين بإسبانيا ، وأن أم الخليفة الرشيد كانت كذلك رومية الأصل وتدعى حبابة « 5 » . كما نفهم من إشارة أخرى وردت عند ابن عذاري « 6 » وهو يتحدث عن بنات الخليفة الموحدي المأمون ما يدعم هذا الطرح . وإذا كانت المصادر التاريخية لم تول اهتمامها سوى للأسر الحاكمة في غالب الأحيان ، فإن كتب الأحكام والوثائق التي اهتمت بعامة الشعب تكشف عن هذه الظاهرة في أوساط المغاربة حيث نجد في أحد كتب التراث المخطوطة طريقة نموذجية لكيفية تحرير عقود الزواج بين أهل المغرب والنصرانيات في ذلك العصر « 7 » . وعلى غرار الزواج الذي عكس انصهار المغاربة والجاليات المسيحية المقيمة بين ظهرانيهم ، نلاحظ مظاهر أخرى لهذا الانصهار . ففي إحدى الروايات أن أهل مراكش قحطوا في عهد الخليفة الموحدي يعقوب المنصور ، فأمر هذا الأخير كافة الناس بالخروج للاستسقاء ، وكان النصارى ضمن المشاركين في دعوات الاستسقاء « 8 » ، مما يوضح أنهم كانوا يعاملون كأفراد من " الأسرة المغربية " . ومن مظاهر هذا الانصهار كذلك ، إقدام المسيحيين على تعلم اللغة العربية ، فتجار جنوة الإيطاليين ، فهموا منذ البدايات الأولى لنهضتهم التجارية ضرورة تعلم اللغة العربية ، ولذلك وجد في إيطاليا ديوان قنصلي Chancellerie لتعليم اللغة العربية « 9 » . وبلغ هذا الانصهار ذروته حينما أعلن بعض قادة الطوائف المسيحية المقيمين بمدن الغرب الإسلامي اعتناقهم الديانة الإسلامية ، فابن الروبيرتر القائد العسكري المشهور كان قد اعتنق الإسلام منذ عصر المرابطين واستمر مع الموحدين « 10 » . وتخبرنا إحدى الروايات الصوفية في سياق حديثها عن كرامات

--> ( 1 ) - مثل تنصر أبي دبوس ومحمد العادل الموحدين بدافع من اليأس والغضب . ( 2 ) - MENSAGE , op , cit ; p : 50 . ( 3 ) - CUOQ , op , cit ; p : 179 . ( 4 ) - روض القرطاس ، م . س ، ص 245 . ( 5 ) - المرجع نفسه ، ص 254 . ( 6 ) - البيان : القسم الموحدي ، م ، س ، ص 276 ويقول فيه ابن عذاري : « وأمهات الذكور والإناث روما » . ( 7 ) - ابن سلمون : العقد المنظم للحكام . . ( مخطوط ) الخزانة العامة للوثائق والمخطوطات بالرباط ، رقم د . 67 ( ضمن مجموع ) ورقة 28 وجه . ( 8 ) - ابن المؤقت : تعطير الأنفاس ، طبعة حجرية ، ص 40 . ( 9 ) - MASCARELLO : ( ( Quelques aspects des activites Italiennes dans le Maghreb medieval ) ) ; op . cit , p : 75 . ( 10 ) - DUROURCQ : op , cit ; P : 46 .